August 17, 2009

العصا السحرية

اليوم هو السابع عشر من آب .... الحر شديد ولكن يبدو أن كل شخص هنا مشغول بأمور تنسيه هذا الحر و شدته ربما الجميع قد اعتادوا هذا الجو الملتهب وربما لأ أحد لديه الرغبة في إضافة مشكلة جديدة إلى أفكاره كي يناقشها ... على كل حال ليس هذا هو المهم ، بل المهم هو ما هي المشكلة الأساسية التى تشغل بال الناس هنا – وغالبيتهم العظمى من الوافدين – وما الذي يجعلهم غير متحمسين كثيراً وغير متفائلين بالمستقبل ؟ سؤال مهم لم أطرحه على نفسي هكذا بل استنتجته بعد أن عرفت واقع الناس هنا ... ومع الأسف أنا إحدى ضحايا هذا الواقع اللئيم
عندما أتيت إلى هنا أول مرة وعند وصولي إلى أبو ظبي لفت انتباهي منظر الزرع والأشجار الموزعة ضمن أبو ظبي والممتدة إلى خارج المدينة و بشكل خاص على مشارف أبو ظبي وقلت في نفسي " سبحان الله ، ما أجمل أن يحول الإنسان الصحراء إلى جنة !!! " ، الآن وبعد مكوثي هنا لفترة ثلاثة أشهر بدأت تلك الجملة تفقد بريقها في نفسي بعد اكتشافي لحقيقة هذا الجمال الذي يخفي ورائه معاني استغلال الناس ومعاناتهم وحزن مئات الألوف من العائلات المترامية في جميع أنحاء العالم
من يعرف مالمقصود بعبارة " قانون العمل في الإمارات " يفهم تماماً ما قلته وما سأقوله ، فالحقيقة هنا واضحة والموضوع ليس سراً ، فقانون العمل هنا جائر جداً ولو بدا "اعلامياً" مراعياً لهموم العمال وفيه من الشفافية والديمقراطية ما يجذب المساكين، ولكن الحقيقة أن قانون العمل هنا موضوع بطريقة تمكن رب العمل من استعباد العامل والتحكم به كما يشاء ومن يتكلم سوف يتم ضربه بالعصا هذه العصا التي منحتها الدولة كهدية إلى أرباب العمل كي " يقمعوا " بها كل من تسول له نفسه أن يطالب بحق مسلوب، هذه العصا تدعى " قانون الحرمان " وهذا القانون فيه تفاصيل كثيرة الكل يعرفها هنا والكل يرفضها إٍلا أرباب العمل الذين يعتبرونها "عصا من الجنة " لتأديب العمال!! بها
من المعروف أن لكل عقد طرفان ، ولكن هنا لا يوجد طرفان إلا على الورق !! فالواقع الذي يحصل هو أن عقد العمل هنا هو عقد وصاية !! أو عقد استغلال !! فيه الطرف الأقوى هو رب العمل الذي يملك العصا السحرية، فما أن تلوح بوادر خلاف ولو على أمور تافهة حتى يبدأ أرباب العمل بالتهديد باستعمال هذه القوة التي أتتهم من قبل المشرع الذي راعى بالدرجة الأولى موضوع بقاء بلاده خضراء حتى لو كان على حساب أبسط حق من حقوق الانسان وهو العمل دون مساومة على حقوقه من قبل صاحب العمل
لقد استمات المسؤولون هنا في الدفاع عن قانون الحرمان "الذي يقضي بحرمان الشخص من العمل في الامارات لمدة تتراوح بين 6 أشهر وسنة بحسب طول عصا صاحب العمل " والمشكلة أن الحكومة لم تراعي أبداً أن معظم الذين يعملون هم من الذين اضطرتهم الظروف لتحمل الغربة من أجل تحسين واقعهم
في الحقيقة هذه المشكلة هي مشكلة الإمارات في الوقت الراهن و أنا لم أتحدث عنها إلا بإيجاز شديد بل أنني أشرت إليها مجرد اشارة ، فالمشكلة أخذت بعداً دولياً وقد صدرت عن منظمة حقوق الإنسان التقارير التي تؤكد خروقات خقوق الإنسان التي تحدث هنا مع الأسف ... أتمنى لهذا الواقع السيء أن يتغير وأتمنى أن تصبح الخضرة الموجودة هنا خضرة حقيقية وليست مزيفة ، ورحم الله الشيخ زايد الذي كان يعرف معنى الإنسانية